الحدس
مشاركة
كما كتب كانط: «الأفكار الخالية من المضمون فارغة، والحدس الخالي من المفاهيم أعمى». كان رودولف شتاينر يرى أن البشرية البدائية كانت تميل إلى امتلاك شيء أقرب إلى الحدس الخالص، ولكن مع تطور الحضارة، تتراكم المزيد من المفاهيم وتصبح أمور مثل التطور التكنولوجي ممكنة. ربما لم يمر زمن خالٍ تمامًا من المفاهيم، وإلا لكان البشر يعيشون في نوع من الغيبوبة الحدسية، يتنقلون من شيء إلى آخر دون القدرة على التخطيط. ومن المرجح أن تكون مثل هذه الحالة نادرة جدًّا في سياق الأمور.
كانت هذه الطريقة البدائية في الاستبصار مباشرة وفورية، ولم تتأثر بتطور الفلسفات المفاهيمية الواسعة. يصعب علينا «الرؤية» عندما نعتقد أننا نعرف بالفعل. وكما تقول سيمون فيل: «عدم المعرفة هو أعمق ما يكون». عندما نقدر الحميمية مع العالم أكثر من السلطة على العالم، كنا نميل إلى عدم تنظيمه أو تجريده. يبدو هذا التمييز هنا مشابهاً للتمييز الذي يضعه مارتن بوبر في عمله الكلاسيكي «أنا وأنت»، أي التمييز بين علاقة «أنا-و-الشيء» مقابل علاقة «أنا-وأنت». عندما ننظر إلى العالم على أنه ليس مجرد مكان مليء بالأشياء المفيدة (أو الخطرة)، بل بالأحرى حضور غنية بالمعنى، فإننا نواجه العالم باعتباره «أنت» ككائن آخر يشبه مثلنا.
وكما يقول أوين بارفيلد، فإن الأنثروبوسوفيا (كما يراها) هي التعبير الذي جاء في أعقاب الثورة العلمية عن الفلسفة الخالدة.
إن دافع شتاينر متميز. فهو لا يدعو إلى «العودة» إلى عالم خالٍ من المفاهيم، ولا ينحاز إلى مجرد التفكير المفاهيمي المنظم. بل إنه يحثنا على استعادة الحدس في خضم التطور العلمي وتحويل العلوم بحيث تعود، مرة أخرى، لخدمة الحياة وليس مجرد القوة.